مركز الثقافة والمعارف القرآنية
116
علوم القرآن عند المفسرين
منها : زيادة عظم القرآن في الانظار حيث إن العادة قاضية بان كلّ كتاب كان فهم مطالبه أشكل كان قدره عند الناس أعظم . منها : فتنة الخلق وامتحانهم بها وتبيّن الصادقين في الايمان من الكاذبين ، فان الحكمة البالغة مقتضية لان لا نيسر على أحد باب الغى والضلال في حال من الأحوال ، ولا يكون لاحد الجاء وقهر على الالتزام بالحق وقبول الرشاد ، وإذا كان جميع الآيات محكمات لم يكن لأهل الزيغ مجال ابتغاء الفتنة والفساد مع اتمام الحجة عليهم بالامر ، الرجوع فيها إلى الحجج البالغة والزجر عن التكلم فيها وابتغاء تأويلها بالأهواء الزائغة . والحاصل : ان الحكيم المتعال جعل كتابه التدويني مطابقا لكتابه التكويني ، وكما أنه جعل غالب آيات لكتاب التكوين من موجودات العالم متشابهات حيث جعل الطبائع فيها والأسباب والمؤثرات لها ، حتى يبقى للذوات الخبيثة وذوى الأهواء الفاسدة والعقول المغلوبة الكاسدة ، مجال للقول بخالقية الطبيعة وألوهية الشمس وساير الاجرام الفلكية ، وانكار الصانع الحكيم لعدم علمهم بتأويلها وقصور نظرهم عن رؤية ما وراء طبائعها وأسبابها وزيغ قلوبهم عن ادراك مسبب الأسباب وخالقها ، مع اتمام الحجة عليهم بارسال العقل العالم بتأويل تلك المتشابهات إليهم وجعله هاديا ، لهم وتأييده بالأنبياء المرسلة والكتب المنزلة ، فالذوات الخبيثة يزيغ قلوبهم يأولون تلك الموجودات المتشابهات التكوينية من قبل أنفسهم ويتبعون ما تشابه ابتغاء الفتنة ، واما الذوات الطيبة والنفوس الزكية فلبصيرة قلوبهم يراجعون إلى العقل السليم - الذي هو الامام الراسخ في العلم - ويتعلمون منه التأويل ويتمسكون بالبرهان من عدم امكان كون المخلوق خالقا والمتغير واجبا ، فعند ذلك يقولون : آمنا كل من المحكمات الواضحات الدلالات على خالقها والمتشابهات من الموجودات بالأسباب والمؤثرات التي جميعها آيات كتاب التكوين من عند ربنا ، كذلك جعل كثيرا من آيات كتاب التدوين وهو القرآن المبين متشابهات ليمتاز أهل الزيغ والنفاق من المتظاهرين بالايمان بالكتاب عن أهل الصدق والاخلاص ، فلو لم يكن في موجودات العالم تشابه ولم يكن في كتاب التكوين متشابه بل كانت كلها محكمات لم يحصل الامتحان والاختيار ، وكان ايمان المؤمن شبه الالجاء والاجبار ، وكذلك لو لم يكن في القرآن متشابهات لم يحصل للمقرين به الفتنة